بقلم : أستاذ عالي البريكي ورئيس تحرير شأنكم تيفي
خمسة أيام فقط بعد الاحتفال باليوم الوطني للإعلام؛ اليوم الذي نتذكّر فيه أن الصحافة لم تكن يوماً مهنة عابرة، ولا وظيفة روتينية، بل كانت ولا تزال ضمير الأمة، ومرآة المجتمع، والحارس الذي لا يسمح بأن نقف عند “ويلٌ للمصلّين”،كانت سلطة رابعة تُتمّم ما لا تقوى عليه السلط الثلاث الأخرى: الرقابة، التنبيه، كشف الأعطاب، وتنبيه الضمير العام إلى ما يتهدّد مسار الديمقراطية، ورغم اختلاف السياقات، ظلّ جوهر المهنة ثابتاً:النزاهة قبل الشهرة، الحقيقة قبل الآراء، .
حين تصبح العدالة “اتصالاً هاتفياً”
أخطر ما ورد في الفيديو ليس فقط مضمون الكلام، بل ما يوحي به السياق:إدانة صحافي بطريقة فجّة، تفتقر لهيبة المؤسسات، وكأن السلطة القضائية يمكن حسمها باتصال هاتفي، أو توصية من فلان أو علّان، هذا وحده، إن صحّ، كفيل بأن يُدقّ بسببه ناقوس الخطر،بل ويُلزم القضاء بأن ينصب نفسه طرفاً مدنياً دفاعاً عن سمعته واستقلاله.
فالسلطة القضائية ليست “رفيقاً” ولا “باباً خلفياً”، بل مؤسسة دستورية قائمة على مبدأ الاستقلال، وليس من المقبول إقحامها في أي نقاش تأديبي لا علاقة لها به،أما إذا كان الفيديو مفبركاً كما حاول بعض أعضاء اللجنة المنتهية الصلاحية الإيحاء، فحينها نحن أمام جريمة أخطر:جريمة تستهدف مؤسسات الدولة، وصورة المغرب، والثقة العامة. وفي هذه الحال يجب أن تُكشف الجهات التي قامت بهذا الفعل، وأن تُدان أمام القضاء والرأي العام على حد سواء .
من صوّر؟ ولماذا؟ ومن يستفيد؟
هنا سؤال آخر لا يقل أهمية:من التقط ذلك التسجيل؟وما هي النوايا؟ وهل نحن أمام “تيار” داخل المجلس يريد ضرب اللجنة وأعضائها؟ أم أمام تصفية حسابات بين دوائر نفوذ إعلامية؟
هذه الأسئلة لا يمكن تجاهلها، لأن التسجيل—بصرف النظر عن صحته—لم يأتِ من فراغ، بل من صراع داخل المهنة نفسها.
والنقابة الوطنية للصحافة، حين خرجت ببلاغ إدانة، لم تفعل ذلك لأنها استشعرت حجم الخطر الأخلاقي والمؤسساتي الذي يكشفه ما جرى.،ولكن بلا شك لديها حسابات اخرى في خضم الجدل الحاصل حول المجلس و”شكون مولا نوبا”
القضاء… لتفكيك الارتباط
اليوم، السلطة الوحيدة القادرة على إعادة ترتيب المشهد هي القضاء،قضاء يفتح تحقيقاً، يحدد المسؤوليات، ويفصل الحق عن الباطل،لأن الصحافة انهارت تحت ركام الضجيج، وغرقنا في “تخريفة” غير مسبوقة، وفوضى لا تشبه تلك المهنة التي عرفناها مع “الفطاحلة”، تلك الأيام التي كان فيها الصحافي يبحث عن الرأي الآخر قبل وضع النقطة الأخيرة في مقاله، ويحترم الأشخاص، ويزن الكلمات بميزان الذهب.
التحول العاصف… والباطرونا الجديدة
نعرف جميعاً أن ما نعيشه اليوم هو نتيجة طفرة رقمية هائلة:صحافة إلكترونية، مواقع تواصل، صناع محتوى، وفضاء مفتوح لكل صوت.،لكن السؤال الأخطر، والمشروع تماماً:متى أصبح أرباب المقاولات الإعلامية—الباطرونا—هم من يتحكمون في مصائر الصحافيين؟
ومتى انتقلت الصحافة من سلطة رابعة إلى سلطة “تابعة” لميزانيات، ولوبيات، وتوازنات لا تخدم المهنة ولا المجتمع؟ إن ما نراه اليوم ليس سوى انعكاس لانهيار أخلاقي قبل أن يكون انهياراً مؤسساتياً.
في الختام…
لا ننتصر هنا لا للمهداوي اتفقنا معه او اختلفنا ولا للجنة، بل ننتصر للصحافة نفسها،للحق في المعلومة.،للحرية. المسؤولة،للنزاهة،لذلك الخط الرفيع الذي يفصل بين الصحافة كرسالة، والصحافة كأداة في يد من يدفع أكثر أو يصرخ أكثر.
إن ما وقع يجب ألا يمرّ مرور الكرام،فإن كانت الوقائع صحيحة، فالمساءلة ضرورة،وإن كانت مفبركة، فالإدانة أوجب. وفي كلتا الحالتين…المهنة تحتاج إلى تنظيف بيتها الداخلي قبل أن تسقط نهائياً في الوحل




